إن لعلوم الفلك والفضاء فى مصر تاريخ مشرف ، فلقد ربط قدماء المصريين من
الفراعنة بين السماء والأرض فى معتقداتهم المعيشية ولقد اعتبروا الشمس
والقمر أزليان. كما رصدوا الكوكبات النجمية (Constellations)
ورمزوا لها برموز مديريات القطر المصرى ومدته مثل برج الحوت الذى رمزوا له
ببلده إسنا ، وكوكب المشترى الذى رمزوا له بأرمنت ولكوكب الزهرة
بدندرة ولبرج الحمل بطيبة .. الخ ، وتدل البروج
النجمية التى يحلى بها سقف مبعد دندرة الموجودة حالياً
فى متحف اللوفر بفرنسا على دراية الفراعنة الكبيرة فى تتبع ودراسة
الأجرام السماوية كما أنهم عنوا بدراسة الحركة الظاهرية للشمس على صفحة
السماء حيث تدل أثارهم ( مثل الأهرامات ، والمعابد التى تدخلها الشمس فى
أوقات محددة خلال العام مثل معبد أبو سمبل وغيره ) على معرفتهم الدقيقة
بالمسار الظاهرى للشمس على صفحة السماء خلال العام.
ولقد
ابتكر الفراعنة تقويما فلكيا متطورا اتخذوا فيه السنة النجمية وحدة
أساسية لقياس
الزمن حيث حددوا طول السنة 365 يوما .
ومنها ابتكروا السنة المدينة التى نطبقها فى حياتنا اليومية وقسموها إلى
أثنى عشر شهرا كل منها 30 يوما يضاف إليها فى نهاية العام خمسة أيام نسئ
تقام فيها أعيادهم . ويعتبر التقويم المصرى القديم أساسا لكل التقاويم
الحديثة التى نستخدمها اليوم .
ومن المعتقد أن اليونانيين قد
أخذوا عن قدماء المصريين مبادئ العلوم ومنها الأرقام العشرية وعمليات
الكسور ونظريات المتواليات الهندسية وفكرة الساعات المائية والمزولة
وأسباب بعض الظواهر الفلكية..
الخ. ولقد نوه المؤرخ الشهير هيرودوت على احتمال أن علم الهندسة قد تم
اكتشافه فى مصر، كما يؤكد غيره من المؤرخين هذه الحقيقة.
ومن العلامات البارزة والمضيئة فى تاريخ علوم الفلك والفضاء فى مصر تأتى
مدرسة الإسكندرية التى تأسست واشتهرت خلال الفترة ما بين 332-250 قبل الميلاد
. فلقد أصبحت مدينة الإسكندرية آنذاك قبلة للعلماء فى الرياضيات والفلك بعد
أن أقيم بها متحفا يحوى مكتبة ومرصدا فلكيا لرصد الأجرام السماوية . ومن أبرز
علماء مدرسة الإسكندرية إراتوسوثينز الذى قام بقياس محيط الكرة الأرضية وكذلك
العالم سوسجنز الذى ابتكر فكرة السنة الكبيسة ، والعلامة بطليموس الذى ألف
كتاب المجسطى الذى تألف من 13 جزءا شرحت فيها نظريات القمر والشهر القمرى
وحركة الكواكب وظواهر الكسوف والخسوف وتقهقر الاعتدالين الربيعى والخريفى
بالإضافة إلى الكثير من المفاهيم والأسس الفلكية التى كانت سائدة فى ذلك
الوقت . ولقد ظل كتاب المجسطى إنجيلا للعلوم طيلة عشر قرنا منذ أن ألفه
العلامة بطليموس .
ولقد أدى ظهور الإسلام إلى انتقال الفكر الإنسانى من ظلمة الجهالة إلى نور
الحق واليقين ، الأمر الذى أدى إلى الاهتمام بالعلوم كأساس للتفكر فى ملكوت
الله ، وازداد الاهتمام بأحوال العلم خلال العصر العباسى عن طريق الاهتمام
المتزايد بحركة الترجمة حيث ترجم كتاب المجسطى لبطليموس الذى شغف العرب به ،
واعتنقوا ما جاء به من نظريات ، وأعادوا قياس ورصد ما جاء به من نظريات
وبيانات وأرصاد . كما أنشئ بيت الحكمة فى بغداد وألحقت به مكتبة كبيرة ومرصدا
فلكيا . وانتشرت المراصد فى ربوع الإمبراطورية الإسلامية . وظهر علماء
مرموقين فى مجال الرياضة والفلك مثل الخوارزمى والكندى والبتانى والبيرونى .
وأنشأ الفاطميون الذى وصلوا إلى مصر عام 969م واستقر حكمهم بها مدة قرنين من
الزمان مرصدا على جبل المقطم ، إدارة العالم المصرى الكبير أبو الحسن بن
يونس، الذى قام بأعداد جداول فلكية حديثة لنجوم السماء عرفت بالزيج الحاكمى ،
الذى اشتهر بدقته واحتل مكان الصدراة فى الشرق والغرب . وكان مرصد بن يونس
جزءا من دار الحكمة التى أقامها الفاطميون فى مصر عام 1000 ميلادية . ومن
المراصد التى أقامها الفاطميون بمصر مرصد جامع الجيوشى ومرصد المأمون بباب
النصر .
وفى الثلث الأول من القرن التاسع عشر بدأت فترة الفلك المعاصر فى مصر حيث
أنشأ محمد على باشا مرصد بولاق فى عام 1839 ، ثم نقل مرصد بولاق إلى العباسية
بأمر الخديوى إسماعيل باشا سنة 1865 م وذلك فى الموقع المعروف بميدان الرصد
خانه ، حيث زود المرصد بمنظار عدسى 10بوصة ، تم تثبيته فى عام 1872م .
واستوجب الأمر نقل مرصد العباسية إلى حلون خلال الفترة 1899-1901 نظرا لتأثر
الأرصاد والتسجيلات فى مرصد العباسية بالتلوث الضوئى والتشويش الكهربى لمدينة
القاهرة . وزود مرصد حلوان آنذاك بمنظار عاكس قطره 30 بوصة أهداه أحد هواه
الفلك البريطانين ( مستر رينولدز ) لمصر فى عام 1905 لإعجابه الكبير بظروف
الرصد الفلكى فى حلوان ، التى كانت ضاحية صغيرة لا يتجاوز تعدادها الخمسة
آلاف نسمة وتتميز بصفاء الجو وجفافه .